القاضي عبد الجبار الهمذاني

19

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فصل في وصف معنى اللطف بأنه إزاحة لعلة المكلف اعلم أن شيوخنا ، رحمهم اللّه ، يستعملون ذلك كثيرا في الألطاف على حدّ استعمالهم له في التمكين ، والوجه في ذلك أن المكلف لما احتاج مع التكليف إلى القيام بما كلف ليفوز بما عرض له ، وإلى التحرّر من ترك ما كلف ليتخلص ويسلم من العقاب ، واشتدّت حاجته إلى ذلك ، وعلم أن وصوله إلى هذين الغرضين لا يتمّ مع شدّة الحاجة إلا بأنواع التمكين ، قيل في المكلف : إنه لا بدّ من أن يزيح علته فيها لكي يمكنه الوصول إلى هذا الغرض ، وكذلك إذا كان لا يختار ما يكلف من الواجب والامتناع من القبيح ، ولا تقوى دواعيه إليه إلا عند أمر يفعله تعالى أو بتنبيه له ، فالواجب أن يقال : إنه تعالى يزيح علته فيه ؛ لأن إزاحة العلة إنما استعمل في الوجه الأوّل للحاجة إلى ذلك ، والحاجة إلى الألطاف على ما بيّناه كالحاجة إلى التمكين ، فالواجب أن يقال ذلك فيها ، وبطل بذلك قول من يقول : إن ذلك مجاز في الألطاف حقيقة في التمكين ، لأنه لما لم يكن بينهما فرق في حالة المكلف إليهما / في الوصول إلى الغرض المقصود بالتكليف ، وجب « 1 » أن لا يكون بينهما فرق إجراء هذا القول عليهما . وعلى هذه الطريقة تستعمل هذه اللفظة في وجوه المعونة ، وتستعمل في الهداية والدلالة ، سواء اعتقد فيهما أن الفعل لا يتم إلا بهما ، أو قد يتم دونهما .

--> ( 1 ) في الأصل : « يجب » .